Arab
في السياسة الدولية لا توجد سوى مصالح دائمة، ولا تُقاس مكانة الدول بما تملكه من خطابات أو تحالفات معلنة، وإنما بقدرتها على فرض حضورها داخل موازين القوة وصناعة القرار. أما الدول التي تفقد قدرتها على التأثير، مهما امتلكت من ثروات أو مواقع استراتيجية، فإنها تتحول تدريجياً إلى مجرد ساحات لتصفية الحسابات أو إلى مجرد "آثار جانبية" في صراعات الآخرين.
يقول مسؤول خليجي سابق: "في كل مرة تخوض فيها أميركا أو أوروبا حرباً في منطقتنا، أو تتخذ قراراً مصيرياً تجاه أزمات الخليج والعالم العربي، لا نُشرك في القرار جديّاً، وأحياناً لا تتم حتى مشاورتنا كي نتهيأ لما هو قادم".
ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو الحرب على إيران أكثر من مجرد حرب عابرة أو صراع إقليمي؛ بل لحظة تاريخية فاصلة كشفت حقيقة الخلل في بنية العلاقة "المختلة" بين الغرب والعرب، وطبيعة الدور "المؤطر" الذي يُراد من دول المنطقة أن تؤديه ضمن الاستراتيجية الأميركية (وحُكماً الإسرائيلية).
لقد كشفت الحرب على إيران بوضوح أن الخليج، رغم كونه الخزان الأكبر للطاقة العالمية والممر الحيوي للتجارة الدولية، لم يكن شريكاً حقيقياً في قرار الحرب والسلم، بل بدا أقرب إلى الطرف الذي يُطلب منه تحمّل النتائج لا المشاركة في صناعة الخيارات.
فالدول الخليجية حذّرت أكثر من غيرها من أن أي مواجهة واسعة مع إيران تعني تهديد أمن الممرات البحرية، وارتفاع كلفة الطاقة والتأمين، واهتزاز الاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، لم يكن لهذه المخاوف وزن حقيقي أمام الحسابات الأميركية المرتبطة بأولوياتها الاستراتيجية وتحالفها العضوي مع إسرائيل.
والدول العربية، وهنا الطامة الكبرى في المشهد السريالي، رغم أنها الأكثر تأثراً بنتائج الصراعات الإقليمية، غالباً ما تكون الأقل حضوراً في لحظة اتخاذ القرار. وهذا ليس حدثاً استثنائياً فرضته الحرب على إيران، بل هو نمط متكرر حكم علاقة الغرب بالمنطقة منذ عقود.
كشفت الحرب على إيران بوضوح أن الخليج، رغم كونه الخزان الأكبر للطاقة العالمية والممر الحيوي للتجارة الدولية، لم يكن شريكاً حقيقياً في قرار الحرب والسلم
ففي حرب العراق عام 2003، دفعت المنطقة العربية الثمن الكامل لانهيار دولة مركزية كانت تشكل ركناً أساسياً في توازنات المنطقة، بينما خرجت الولايات المتحدة لاحقاً تاركة خلفها فراغاً استراتيجياً هائلاً، تمددت فيه الفوضى والطائفية والنفوذ الإيراني والتنظيمات المتطرفة.
أما القضية الفلسطينية، فقد مثلت النموذج الأكثر وضوحاً لطبيعة الانحياز الغربي، حيث أثبتت التجربة أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع إسرائيل بوصفها مجرد حليف، بل باعتبارها جزءاً من بنيتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فخلال الحرب على غزة وما رافقها من حرب إبادة مستمرة، بدا واضحاً أن المنطقة العربية بأكملها مطالبة بالتكيف مع رؤية أمنية جديدة تُعاد صياغتها من منظور إسرائيلي بالدرجة الأولى، فيما يُترك العرب أمام معادلة قاسية: إما القبول بالأمر الواقع أو مواجهة عزلة سياسية واستراتيجية.
غير أن الأزمة الأعمق لا تكمن فقط في السياسات الأميركية أو الإسرائيلية، بل في العجز العربي المزمن عن تحويل عناصر القوة الهائلة التي تمتلكها المنطقة إلى مشروع سياسي واستراتيجي مستقل.
فالعالم العربي يملك الثروة والطاقة والموقع الجيوسياسي والممرات البحرية والأسواق والإمكانات البشرية، لكنه يفتقد الإرادة السياسية الجماعية القادرة على توظيف هذه المقومات ضمن رؤية موحدة.
لقد أثبتت التجربة أن التحالفات الأمنية لا تكفي لحماية المصالح الوطنية إذا بقي القرار الاستراتيجي مرهوناً بالخارج. فالدول تُحترم عندما تمتلك قدرتها الذاتية على التأثير، وعندما تدرك القوى الكبرى أن تجاهل مصالحها ستكون له كلفة سياسية واقتصادية وجيوسياسية حقيقية.
من هنا تُعيد الحرب على إيران طرح سؤال مؤجَّل منذ عقود في الوعي السياسي الخليجي والعربي: كيف يمكن بناء أمن عربي مستقل في ظل نظام دولي يتجه نحو التكتلات الكبرى وصراع النفوذ المفتوح؟
فالصيغ التقليدية التي حكمت العمل العربي المشترك لم تعد قادرة على إنتاج موقف موحد أو إدارة الأزمات العميقة، كما أن جامعة الدول العربية وغيرها من التكتلات الإقليمية باتت عاجزة عن توفير إطار استراتيجي فعّال لحماية المصالح العربية.
أثبتت التجربة أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع إسرائيل بوصفها مجرد حليف، بل باعتبارها جزءاً من بنيتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط
تحتاج شعوب الأمة العربية اليوم إلى مشروع واقعي يُعيد تعريف مفهوم الأمن القومي العربي على أساس المصالح لا الخطابات، وعلى قاعدة بناء استقلال استراتيجي تدريجي في السياسة والاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا والطاقة. فالعالم لا يعترف إلا بالقوى الفاعلة ضمن تكتلات قوية، ولا مكان فيه للدول التي تكتفي بدور المتلقي أو الوسيط أو المموّل لصراعات الآخرين.
أخطر ما يمكن أن يستمر العرب في قبوله هو البقاء في موقع "الآثار الجانبية" داخل الحروب الدولية والإقليمية. فالمنطقة العربية ليست هامشاً في التاريخ، بل قلب جغرافي وسياسي واقتصادي للعالم، يربط بين الشرق والغرب، ويمتلك أهم مصادر الطاقة والممرات الحيوية.
لكن هذه الأهمية الموضوعية لن تتحول إلى نفوذ حقيقي ما لم تتوافر إرادة سياسية عربية تدرك أن الأمن لا يُستورد، وأن المصالح لا يحميها سوى أصحابها، وأن القوى الكبرى لا تمنح احترامها مجاناً، بل تفرضه موازين القوة والقدرة على الفعل.
لقد آن الأوان لأن ينتقل العرب من موقع ردة الفعل إلى موقع الفاعل التاريخي، ومن دائرة "الآثار الجانبية" لقرارات الآخرين إلى شريك حقيقي في صياغة مستقبله ومستقبل المنطقة. فالتاريخ لن يرحم الأمم التي تمتلك كل عناصر القوة ثم تعجز عن تحويلها إلى مشروع حضاري واستراتيجي قادر على حماية الذات وصناعة المستقبل.
Related News
هكذا يغيّر الذكاء الاصطناعي بوليوود
alaraby ALjadeed
5 minutes ago
عن "الوجه الأسود" للنسويات السوريات
alaraby ALjadeed
5 minutes ago
الدوري الإنجليزي: آرسنال يرفع الكأس في ملعب كريستال بالاس
aawsat
19 minutes ago