العراق وإعادة هندسة النفوذ الإيراني
Arab
1 hour ago
share
لم يعد السؤال المطروح اليوم في العراق: هل لا تزال إيران تحتفظ بنفوذها التقليدي داخل النظام السياسي أم لا؟ فالإجابة المباشرة هي نعم، لا تزال طهران تمتلك حضوراً سياسياً وأمنياً عميقاً عبر شبكة معقدة من العلاقات الحزبية والفصائلية والاقتصادية، تشكّلت على امتداد أكثر من عقدين منذ عام 2003. لكن السؤال الأهم هو: هل لا يزال هذا النفوذ قادراً على إنتاج البيئة السياسية نفسها التي سمحت له بالتمدد أصلاً؟ هذا السؤال بات أكثر إلحاحاً مع التحولات المتسارعة التي يشهدها العراق، لا بوصفه ساحة محلية معزولة، بل باعتباره جزءاً مباشراً من إعادة تشكيل إقليمية أوسع تقودها الولايات المتحدة لإعادة ضبط المجال الحيوي الإيراني في الشرق الأوسط، ليس عبر المواجهة العسكرية المباشرة كما جرى في مراحل سابقة، بل عبر إعادة هندسة بنية السلطة في الدول التي شكّلت لعقود الامتداد الوظيفي للمشروع الإيراني. في هذا السياق، لم يعد العراق مجرد ساحة نفوذ مستقرة لإيران، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة اختبار حقيقية تكشف حدود المشروع الإيراني نفسه، وليس ذلك نتيجة انقلاب اجتماعي مفاجئ داخل البيئة الشيعية العراقية أو انهيار كامل للحاضنة السياسية التقليدية، بل بسبب ضغوط بنيوية فرضتها إعادة ترتيب التوازنات الدولية والإقليمية، وضعت نموذج "الحاكمية الشيعية الهشة" الذي نشأ بعد عام 2003 أمام اختبار وجودي غير مسبوق. هذا النموذج، الذي قام طيلة عقدين على إدارة توازن حساس بين الدولة الرسمية وشبكات القوة الموازية المرتبطة بمنطق الفصائل والمحاور العابرة للحدود، كان قادراً على الاستمرار طالما ظل الصراع الإقليمي يسمح بهذا النوع من الازدواج الوظيفي؛ فالدولة تؤدي الحد الأدنى من وظائف الحكم، بينما تؤدي الفصائل وظيفة الردع الإقليمي وحماية التوازنات السياسية الداخلية. لم يعد العراق مجرد ساحة نفوذ مستقرة لإيران، بل تحوّل تدريجياً إلى ساحة اختبار حقيقية تكشف حدود المشروع الإيراني إعادة تشكيل الدولة بدل إسقاط النفوذ أدركت الولايات المتحدة محدودية خيار المواجهة العسكرية المفتوحة مع إيران، وبعد تجارب العراق وأفغانستان، انتقلت إلى استراتيجية أكثر تعقيداً تقوم على تفكيك البيئات الحاضنة للنفوذ الإيراني من الداخل. فلم تعد واشنطن معنية بإسقاط القوى الشيعية الحاكمة أو كسر التوازن السياسي العراقي بشكل مباشر، بل تسعى إلى إعادة تشكيل هذا التوازن نفسه، ودفعه تدريجياً نحو نموذج دولة أكثر انضباطاً وأقل قابلية للتوظيف الإقليمي. وقد ظهر هذا التحول بوضوح خلال السنتين الأخيرتين من خلال الضغوط الأميركية على ملفات بعينها، أهمها ضبط السلاح خارج الدولة، وتحصين القطاع المالي من الاختراقات المرتبطة بطهران، وإعادة تنظيم العلاقة بين بغداد والمؤسسات الاقتصادية الدولية، وتوسيع هامش انفتاح العراق العربي والإقليمي بصورة تقلّص تدريجياً الحاجة البنيوية للارتباط الأحادي بإيران. لكن التطور الأخطر لم يعد يقتصر على مستوى الضغوط السياسية العامة، بل انتقل إلى محاولة أميركية مباشرة لإعادة تعريف طبيعة السلطة الشيعية نفسها داخل العراق. فبالتزامن مع الحوارات التي سبقت تشكيل حكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، ظهرت للمرة الأولى بصورة شبه علنية اشتراطات أميركية صارمة تتعلق بطبيعة التمثيل داخل الكابينة الحكومية، في مؤشر يكشف حجم التحول الجاري في طريقة إدارة واشنطن المشهد العراقي. واللافت في التسريبات المتعلقة بالكابينة الوزارية الجديدة لم يكن فقط غياب شخصيات تقليدية أو صعود أسماء غير مجرّبة سياسياً، بل الغياب الكامل تقريباً لأي تمثيل مباشر للفصائل المسلحة، بما فيها قوى تمتلك ثقلاً انتخابياً وبرلمانياً كبيراً داخل "الإطار التنسيقي" الذي يمثل الإطار الجامع للقوى الشيعية، وعلى رأسها الجناح السياسي لحركة "عصائب أهل الحق". هذا الغياب لم يكن نتيجة توازنات داخلية عراقية، بل جاء ضمن سياق ضغوط أميركية مباشرة اشترطت استبعاد الفصائل الستة الخاضعة للعقوبات الأميركية من أي تمثيل حكومي مباشر، وهي خطوة تعكس انتقال واشنطن من سياسة احتواء النفوذ الإيراني إلى محاولة إعادة هندسة بنية الحكم الشيعي نفسه. نقطة التحول الأعمق في المشهد العراقي لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع الفصائل المسلحة بوصفها مجرد جماعات ضغط يمكن التعايش معها ضمن توازنات الدولة العراقية، بل باتت تنظر إليها باعتبارها بنية موازية للدولة يجب تفكيكها تدريجياً، أو دفعها نحو التحول الكامل إلى العمل السياسي منزوع السلاح. وهذا ما يفسر الطابع غير المسبوق للرسائل الأميركية الأخيرة، التي لم تكتفِ بالتحذير السياسي، بل ربطت بصورة مباشرة بين استمرار العلاقة الاستراتيجية مع بغداد ومستقبل الفصائل المسلحة وسلاحها الثقيل، خصوصاً الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أن بعض الفصائل نفسها بدأت تدرك حجم التحول الجاري في المنطقة، والتسريبات المتعلقة بتقديم بعض القوى المسلحة تعهدات غير معلنة بالتحول نحو العمل السياسي فقط، مقابل السماح لها بالحفاظ على موقعها داخل السلطة، تكشف أن جزءاً من بنية المقاومة بدأ يتعامل مع المرحلة بوصفها معركة بقاء سياسي أكثر من كونها معركة نفوذ إقليمي. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تعني أن الفصائل التي نشأت أصلاً بوصفها امتداداً لمعادلة "السلاح يحمي السياسة"، بدأت تُدفع الآن نحو معادلة معاكسة: "التخلي التدريجي عن السلاح مقابل البقاء داخل السياسة". لكن المشكلة بالنسبة لهذه القوى أن واشنطن لا تبدو مستعدة بعد لمنحها شرعية مجانية؛ فالرسائل الأميركية التي جرى تداولها داخل الأوساط السياسية العراقية تؤكد أن واشنطن لم تعد تقبل بفكرة الفصل التقليدي بين الجناح العسكري والجناح السياسي أو الاقتصادي للفصائل، بمعنى أن التحول الشكلي من مليشيا إلى حزب سياسي لم يعد كافياً، خصوصاً مع استمرار امتلاك هذه الجماعات شبكات اقتصادية وأمنية وسلاحاً نوعياً عابراً لمنطق الدولة. العراق، الذي كان يُدار لعقدين بوصفه مساحة مرنة للتوازن بين الدولة والمحور، يُعاد تشكيله اليوم تحت ضغط أميركي وإقليمي يدفع نحو حصر القوة داخل المؤسسات الرسمية جوهر الأزمة الإيرانية في العراق النموذج الذي بنته طهران منذ عام 2003 قام على فكرة الدمج بين "النفوذ السياسي" و"القوة المسلحة" و"الاقتصاد الموازي" و"الشرعية العقائدية"، لكن البيئة الإقليمية الجديدة بدأت تضرب هذه العناصر دفعة واحدة. فالعراق، الذي كان يُدار لعقدين بوصفه مساحة مرنة للتوازن بين الدولة والمحور، يُعاد تشكيله اليوم تحت ضغط أميركي وإقليمي يدفع نحو حصر القوة داخل المؤسسات الرسمية، ليس دفاعاً عن الديمقراطية العراقية، بل لأن استمرار نموذج "الدولة الهجينة" بات يُنظر إليه غربياً بوصفه تهديداً طويل الأمد للاستقرار الإقليمي. وضمن هذا السياق، برزت حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في مرحلتها الأخيرة بوصفها تعبيراً عن انتقال تدريجي داخل بنية الحكم، ثم جاءت حكومة المكلف حديثاً علي الزيدي، التي بدأت تتبلور حولها مؤشرات على اشتراطات سياسية وأمنية غير مسبوقة تتعلق بطبيعة التمثيل داخل الكابينة الحكومية، والانتقال داخل بنية الحكم الشيعي من منطق إدارة المحور إلى منطق إدارة الدولة. وهذا لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الإيراني أو انهيار الفصائل؛ فإيران لا تزال تمتلك شبكة نفوذ عميقة سياسياً وأمنياً واجتماعياً داخل العراق، كما أن الفصائل لا تزال تمثل قوة حقيقية يصعب تجاوزها أو تفكيكها سريعاً. لكن ما يتغير هو طبيعة هذا النفوذ نفسه؛ فالقوى الشيعية الحاكمة لم تعد قادرة على الجمع بين منطق الدولة ومنطق الساحة المفتوحة بالمرونة نفسها التي كانت ممكنة خلال العقدين الماضيين، كما أن كلفة استمرار العراق بوصفه منصة صراع إقليمي باتت تهدد البنية السياسية الشيعية نفسها، لا خصومها فقط، وهذا أخطر أنواع التحول.

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows