Arab
بعد عدة جولات من تبادل المقترحات بين إيران والولايات المتحدة بوساطة باكستانية، وعودة قطر مجدداً إلى ساحة الوساطة، اقترب الطرفان من إبرام مذكرة تفاهم تتكون من 14 بنداً، بانتظار وضع اللمسات الأخيرة. والسؤال المطروح الآن: ما سبب هذا التقدّم والاقتراب من الاتفاق بعد الخلافات العميقة بين الجانبين منذ إرساء وقف إطلاق النار في حرب الـ 40 يوماً في الثامن من إبريل؟ ومن الذي تراجع عن مواقفه؟
صرح مصدر إيراني لـ"العربي الجديد" بأن طهران أنجزت مهامها مع باكستان بشأن وضع الصيغة النهائية لمذكرة التفاهم، والكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة لقبولها أو رفضها. وبحسب المصدر، لا تزال هناك بعض الخلافات التي تتطلب تسوية. في سياق متصل، أفادت وكالة "تسنيم" الإيرانية المحافظة، اليوم الأحد، باستمرار الخلاف حول بند أو بندين، متهمة واشنطن بعرقلة حلهما، ونقلت عن مصدر مطلع أنه "إذا استمرت العرقلة الأميركية، فلن يكون هناك اتفاق".
ولم تنشر إيران أو الولايات المتحدة أو باكستان حتى الآن تفاصيل الاتفاق رسمياً باستثناء بعض الخطوط العريضة. غير أن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أكد للتلفزيون الإيراني أمس أن أساس مذكرة التفاهم هو وقف الحرب. ووفقاً للرواية الإيرانية، يرتكز الاتفاق الحالي على أساس واحد وعدة عناصر؛ الأساس إنهاء الحرب، أما العناصر الأخرى فتتمثل برفع الحصار عن إيران، إعادة فتح مضيق هرمز، الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، التعليق المؤقت للعقوبات النفطية، فضلاً عن إرجاء مناقشة الملف النووي إلى مفاوضات تمتد لستين يوماً بعد توقيع الاتفاق الأولي. في المقابل، أكد الجانب الإيراني التزامه عدم السعي لامتلاك سلاح نووي.
وبحسب بعض المصادر، يبدو أن طهران وافقت على التفاوض بشأن مخزون اليورانيوم المخصب وتعليق التخصيب، لكنها لم تقدم أي تعهدات بشأن مصيرهما ونقل المخزون إلى الخارج أو حول مدة هذا التعليق. وبشكل عام، أُرجئ كل ما يتعلق بالملف النووي إلى المفاوضات المرتقبة بعد إبرام الاتفاق المؤقت.
تنازلات متبادلة
ويُظهر المشهد الراهن أن كلا الطرفين قد قدم تنازلات لتسهيل إبرام مذكرة التفاهم، إلا أن الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب يبدوان الأكثر تراجعاً عن مواقفهما السابقة مقارنة بإيران، التي ربطت أي اتفاق نووي بإنهاء الحرب أولاً، واتخاذ واشنطن خطوات لبناء الثقة، مثل الإفراج عن أموال إيرانية. ولطالما أصر ترامب في أي اتفاق على ضرورة انتزاع ما وصفه بـ"الغبار النووي"، قاصداً بذلك تفكيك البرنامج النووي الإيراني ونقل 400 كيلوغرام من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى رفضه القاطع للإفراج عن أي أموال لصالح طهران قبل التوصل إلى اتفاق نهائي.
إلا أن القبول بإنهاء الحرب دون تسوية الملف النووي يظهر من جهة، تراجعاً أميركياً ونزولاً إلى المطلب الإيراني في الاتفاق المؤقت، ويحرم من جهة أخرى ترامب صناعةَ صورة انتصار إعلامي، التي لطالما سعى لها. فالحرب التي شُنت بهدف إسقاط طهران، تنتهي اليوم باتفاق لم يحصل فيه الرئيس الأميركي على أي تنازل نووي، بل تمكنت إيران عبر استخدام "ورقة مضيق هرمز" من إنهاء الحرب، وتحرير جزء من أصولها، والحصول على إعفاءات لبيع نفطها، وذلك لتنفيس أزمتها الاقتصادية المتفاقمة.
لبنان و"توحيد الساحات"
إلى جانب ذلك، إن قبول وقف الحرب في لبنان ضمن الاتفاق الأولي مع طهران يعني "الاعتراف" من دون قصد بنفوذها ودورها الإقليمي، حتى وإن حاولت إسرائيل تقويضه عبر شن هجمات. يأتي هذا في حين كانت فيه أميركا وإسرائيل ترفضان الربط بين الساحات، فضلاً عن أن الهدف الرئيسي الآخر للحرب كان خلق واقع إقليمي ينهي نفوذ إيران والمحور المدعوم منها في المنطقة، لا أن يعترف به بأي شكل، ما يرسخ معادلة "توحيد الساحات" التي لطالما حاولت إيران وحلفاؤها في المنطقة تثبيته.
وفي خضم ذلك، ورغم التأكيدات بأن طهران ستعيد فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري، لم تُذكر بعد تفاصيل دقيقة حول آلية الفتح ورفع الحصار. وبحسب وكالة "تسنيم"، من المقرر أن يتفاوض الطرفان حول هاتين المسألتين خلال 30 يوماً.
ماذا عن مضيق هرمز؟
في المقابل، يبدو أن طهران تراجعت عن موقفها السابق المطالب بفرض رسوم عبور في مضيق هرمز. وفي هذا السياق، حذرت صحيفة "كيهان" المحافظة والمتشددة، اليوم الأحد، من عودة وضع مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب، وانتقدت هذا التوجه.
وصرح مدير الصحيفة، حسين شريعتمداري، بأن مضيق هرمز جزء من المياه الإقليمية الإيرانية، ومن الحق القانوني لإيران تحصيل رسوم مرور من السفن والزوارق التي تعبر مياهها. وتساءل شريعتمداري عما إذا كان الاتفاق يتضمن تحصيل "رسوم العبور" أو لا، معتبراً أن الإجابة بالنفي تعني الإهمال في اتخاذ إجراء ضروري، مضيفاً: "يبدو أن القواعد الحاكمة للمضيق ستعود إلى وضع ما قبل الحرب". بالتالي، رغم حالة الارتياح السائدة في إيران إزاء التوصل إلى مذكرة تفاهم، إلا أن عودة مضيق هرمز إلى وضع ما قبل الحرب قد تثير موجة من الانتقادات من أوساط محافظة متشددة ضد الفريق المفاوض.
على الجانب الآخر، يتعرض ترامب لهجوم منذ أمس السبت داخل الولايات المتحدة من قبل حلفائه ومعارضيه، وكذلك من داخل إسرائيل، حيث غاب الحديث عن فوزه في هذا التفاهم الأولي، بل يُوصف بالخاسر. كذلك هاجمه وزير خارجيته السابق مايك بومبيو في منشور، قائلاً إن الاتفاق الحالي كأنه صنعته إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وذلك في إشارة إلى الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.
هذه الانتقادات من شأنها أن تخلق أجواءً مشحونة ضد ترامب في أميركا، ما قد يستفز شخصيته النرجسية ويدفعه إلى رفض توقيع الاتفاق وحل القضايا القليلة المتبقية. وعليه، فإن الرئيس الأميركي في وضع صعب في الوقت الراهن، فإذا وقّع، سيخرج من مستنقع الحرب ليدخل في مستنقع هجمات سياسية أشد وطأة في الداخل الأميركي، وذلك على أعتاب انتخابات الكونغرس؛ وإذا لم يوقّع وأصدر أوامره بشنّ هجوم، فإنه سيزيد الأوضاع تعقيداً وتأزماً. ويبقى أن ننتظر لنرى ماذا سيقرر في هذا المفترق الحاسم الذي يحبس الأنفاس.

Related News
الحرب السودانية لم تمنع 15 ألف حاج من أداء الفريضة
aawsat
10 minutes ago
دواء تخسيس فعّال لغير المستجيبين لجراحات السمنة
aawsat
20 minutes ago
وفد أمني عراقي إلى طهران لبحث ملف الهجمات على كردستان
aawsat
22 minutes ago
تأثير تناول الشوفان على مرضى السكري
aawsat
22 minutes ago