قصيدة النثر من البيان إلى ما بعد القصيدة
Arab
1 hour ago
share
لم تتأخر قصيدة النثر كثيراً عن قصيدة التفعيلة، إذا عدنا إلى تواريخ صدور المجموعات الشعرية، فسنجد أن "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب، صدرت في العام نفسه الذي صدرت فيه "لن" مجموعة أُنسي الحاج، في حين أن "قصائد أولى" لأدونيس صدرت 1957، و"أقول لكم" لصلاح عبد الصبور أيضاً في العام ذاته، وعام 1959 صدرت "حزن في ضوء القمر" مجموعة محمد الماغوط. لم تتأخّر قصيدة النثر عن التفعيلة، لقد تزامنتا، ذلك يعني أن القصيدتين تلقّتا في الوقت نفسه ذات التأثير الغربي. لا بد أن قصيدة التفعيلة تطلّبت مواءمة بين البيت الشعري العربي، والتصرّف المستجد في وزنه وقافيته، بينما وصلت قصيدة النثر في أول بُدوّها موازية في ذلك لترجمات قصائد بعضها كان موزوناً في أصله. قصيدة النثر لم تكن بعيدة عن هذه الترجمات، بل إن نصوصها الأولى التبست بها، فبدت هي الأُخرى قريبة منها، أو هكذا تراءى لقرّائها ونقّادها الأوائل، الذين نحا بعضهم إلى اعتبارها غير عربية، وكان في هذا بعض الاتهام، خصوصاً أنها، أي قصيدة النثر، ظهرت في حقبة غليان قومي، كان التراث من أركانه، لم يكن هناك آنذاك حدّ بين السياسة والأدب، بل بينها وبين أي شيء آخر. لا بدّ أن روّاد قصيدة النثر الأوائل، أُنسي الحاج بصورة خاصة، كانوا يتصدون للفصاحة عن وعي. الفصاحة بمعنى الإيقاع الذي يعثر عليه كتّاب من مطالعاتهم للتراث ويخترعونه له، ويبنون مطوّلاتهم عليه، هذا الإيقاع الذي كان مبنى النصوص وأحياناً موضوعها، هو ما تصدّى له شعراء النثر الأوائل، أفقدهم ذلك أحياناً كلّ إيقاع. ففي المعركة لم يكن مهمّاً إلا مواصلة التحدي، وإن ترك ذلك فراغاً تحته. هذه الفجوة لم تلبث في واحدة من المرات أن انقلبت على نفسها، وهذه المرّة بفضل الترجمة أيضاً، إذ كان الفصل فيها لترجمة أدونيس لبيرس، ترجمة سرعان ما غدت أصلاً. لقد بدا هنا أن المشروع الحداثي وجد نموذجاً مطابقاً، نموذجاً جامعاً بين معاصرة النَّص وعربيته. وجدت هكذا معاصرة بل وعالمية لا تخسر في سبيل ذلك الإيقاع. هذا ما ولّد مع الوقت تياراً وقصيدة مقابلة. الأرجح أن المحاولات الأولى لقصيدة النثر كان بعضها قريباً من البيان الشعري، لا بد أن كثيراً من القصائد كُتبت كأمثلة وكتمارين على هذا الغرض الجديد، لكن الشعراء أنفسهم وأُنسي الحاج أولهم ناقد الفصاحة الأول، لم يلبثوا أن خرجوا من ذلك ليباشروا صناعة القصيدة كقصيدة لا كبيان.  ظهرت في حقبة قومية لم يكن فيها حدّ بين السياسة والأدب هكذا كتب الحاج "ماضي الأيام الآتية"، ومن يقرأه يفهم أن الشاعر الذي لم يكتب فقط مقدّمة مجموعته "لن"، وإنما على غرارها قصائد المجموعة، اهتدى في "ماضي الأيام الآتية" هذه المرّة إلى القصيدة ذاتها، وكتبها بتواضع شديد، تواضع من يعرف أن القصيدة قد تكون نمطاً آخر من الصمت، وأنها تُجتَرح اجتراحاً، وأن الانحناء لها هو ما يفعله الشاعر. إلى جانب أُنسي الحاج كان هناك محمد الماغوط الذي وصل إلى قصيدة النثر من غير المنبر الثقافي الذي أوصل غيره. وجدها وكتبها دون أي سؤال نظري، كتبها ببساطة من يقرأها لنفسه.  لكن الشاعر الذي بقي حائراً محيِّراً كان شوقي أبي شقرا، لم يقل شوقي أبي شقرا كلمة في نقد الشعر، لكنه كتب قصيدة لم يوجد أحد ليجسّمها أو يقوّمها. كانت القصيدة غريبة عنه وعن قرّائها، لكن السؤال عنها وحولها يغرقها في الغموض. كان يكتب كلاماً يتردد بين العبث والارتجال والتغريب، بعض القراء أخذتهم مفردات الريف فجعل للقصائد موضوعاً ريفياً. لا نعرف ماذا كان رأي أبي شقرا في هذه القراءة، لكن كان قريباً من الفهم أن قصائده لعبٌ يستيقظ أحياناً على موضوعات ومعانٍ، لا يلبث أن يشتّ عنها. تشبه قصائد أبي شقرا أن تكون ترجمات، لا لقُربها فقط من أكثر سورياليّي الشرق قفزاً على المعاني وأكثرهم ارتجالاً.  لكن هذه القصائد تشبه أن تكون ترجمات، لأن لا لغة لها. ولأن في ذلك فرادتها واختلافها. ينفي أدونيس أن يعدّ بين شعراء النثر، رغم أنه صاحب "مفرد بصيغة الجمع"، وهي مع ترجماته لبيرس من أبرز ما كتب في شعر النثر، وأقول شعر النثر لا قصيدة النثر، لأن الديوان بكامله يوشك أن يكون مطولة شعرية واحدة. لا أفهم لماذا توقّف عن كتابة شعر النثر أو قصيدة النثر، أظن أنه اكتفى منها، سرعان من أنجز فيها مشروعه، رغم أن أدونيس في كلّ ما يكتبه صاحب مشروع، ومن الصعب أن نقرأه دون أن نتخايل وراء نصوصه مشروعاً ما.  تأسيس لقصيدة ثانية لشعر على غير مثال الشعر الذي ألفناه اليوم لم يعد وراء القصيدة النموذج الوافد، لم يعد لهذه القصيدة مرجع أو غرار، لم تعد، نقدياً، بالضرورة من الشعر وحده، إذ عملها على النثر كان موازياً له، بل متقدّماً أحياناً، لم تعد تجري على مثال من أي نوع كان، لم تعد ثقافية بالضرورة ولا ترجيحاً أو إعادة قراءة. لم يعد أمامها نموذج، ولم تعد هي تسعى لأن تكون نموذجاً. هذه المرة صارت بين الخواطر واليوميات والأفكار السريعة والحكاية والحديث والعمق الدفين والهوامش. إنها هكذا تؤسس لقصيدة ثانية لشعر على غير مثال الشعر الذي ألفناه. نحن حقاً في قصيدة بنت لحظة لا تطيل الوقوف عندها، فيما بعد القصيدة. * شاعر وروائي من لبنان

Related News

( Yemeni Windows) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

All rights reserved 2026 © Yemeni Windows