قال أمين المكتب التنفيذي للتجمع اليمني للاصلاح في ساحل حضرموت محمد بالطيف "أن التحدي الأخطر الذي يهدد اليمن اليوم لا يتمثل فقط في الحرب والانقسام، بل في انهيار مؤسسات الدولة وغياب المشروع الوطني الجامع".
وأضاف في حوار مع "الصحوة نت"، إن الوحدة اليمنية هي "الحقيقة الجيوسياسية والتاريخية الأبقى" رغم كل ما تعرضت له من أزمات واختلالات خلال العقود الماضية، لافتا "أن غياب الدولة فتح المجال أمام مشاريع المليشيات والتشظي".
وحذر بالطيف، من مخاطر الطائفية والمناطقية والتدخلات الخارجية على الهوية الوطنية الجامعة، ومشدداً على أن استعادة الدولة تمثل المدخل الحقيقي لمعالجة القضية الجنوبية وحماية الوحدة في آنٍ واحد.
ويشير القيادي في إصلاح حضرموت، بأن الأخطاء التي رافقت مرحلة ما بعد الوحدة، خصوصاً بعد حرب صيف 1994، أوجدت حالة من الغبن والاحتقان في المحافظات الجنوبية، غير أن المشكلة ـ بحسب تعبيره ـ لم تكن في الوحدة ذاتها، بل في الممارسات الخاطئة وسوء الإدارة وغياب العدالة والشراكة الحقيقية.
وأعتبر بأن حزب الإصلاح تعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها "جوهر الحل للأزمة اليمنية"، وشارك في مختلف الجهود السياسية لمعالجة آثار الحرب ورد المظالم وتعزيز الشراكة الوطنية.
وقال بالطيف "إن الدولة الاتحادية تمثل صيغة قادرة على حماية الوحدة وضمان العدالة وتوزيع السلطة والثروة"، وشدد بأن اليمنيين بحاجة اليوم إلى دولة مؤسسات وقانون ومواطنة متساوية، بعيداً عن السلالية والمناطقية والإقصاء.
وفيما يلي نص الحوار:
ـ تحل الذكرى السادسة والثلاثون للوحدة اليمنية واليمن يعيش واحدة من أعقد مراحله السياسية والعسكرية.. كيف تقرأون واقع الوحدة اليوم؟
واقع الوحدة اليوم في ذكراها السادسة والثلاثين تمر بمرحلة مخاض عسير، لكنها تظل الحقيقة الجيوسياسية والتاريخية الأبقى. الواقع اليوم يشير إلى أن الوحدة كقيمة ومصير لا تزال هي المظلة التي تحمي اليمن من التلاشي.
ورغم أن سوء الأداء السياسي وتعثر الدولة قد أثقلا كاهل هذا المشروع العظيم، بل وأضر به أيما ضرر، فتم تحميل الوحدة أثقال وعثرات هذا السوء كله والذي هو من صنع النخبة الحاكمة للأسف الشديد.
لكن علينا أن نقرأ الواقع اليوم كفرصة لإعادة تصحيح المسار تحت سقف اليمن الواحد، وليس فرصة للتخلي عن هذا المنجز العظيم والأضرار به وسمعته لدى الأجيال.
ـ الحديث عن الوحدة لم يعد منفصلاً عن سؤال الدولة ومؤسساتها، خصوصاً بعد سنوات الحرب والانقسام.. إلى أي مدى أصبح انهيار الدولة هو الخطر الأكبر على المكتسبات الوطنية؟
بكل تأكيد، غياب الدولة هو الثقب الأسود الذي يبتلع المكتسبات، والوحدة ليست مجرد شعار، بل هي مؤسسات ونظام وقانون. وعندما انهارت الدولة بفعل الانقلاب والحرب، تعرضت الوحدة للاهتزاز.
لأن المواطن لم يجد المؤسسة التي تحميه وتوفر له العيش الكريم، فانهيار الدولة هو الخطر الوجودي الأول الذي يهدد ليس الوحدة فحسب، بل هوية اليمن وكيانه وينذر بتمزيق النسيج برمته.
يرى كثيرون أن غياب الدولة فتح المجال أمام مشاريع القوة والمليشيات والتشظي.. كيف انعكس ذلك على فكرة اليمن الواحد؟
إن غياب مركزية الدولة فتح الشهية للمشاريع الضيقة والمليشيات التي تتغذى على التشظي، هذه المشاريع حولت التنوع اليماني من مصدر ثراء إلى فتيل لتذكية النزاع والصراع.
لكن على الرغم من كل ذلك يظل اليمن الواحد هو المشروع الوحيد القادر على استيعاب الجميع، بينما مشاريع الفوضى لا تملك مقومات البقاء والاستقرار، فها هي مشاريع التمزق تترنح وتتآكل من داخلها بفعل اللا مشروعية محلية ودولية واللا قابلية مجتمعية.
- الوحدة اليمنية ولدت باعتبارها تتويجاً لنضال الحركة الوطنية وحلم اليمنيين التاريخي.. ما الذي بقي من هذا الحلم بعد كل التحولات التي شهدها البلد؟
رغم كل شيء إلا أن الأمل باق بل ومتعاظم والإرادة تزخر بها نفوس اليمنيين في كل أرجاء اليمن والخارج. فالوحدة هي الحلم الذي ناضل من أجله أحرار ثورتي سبتمبر وأكتوبر لم يكن مجرد دمج جغرافيا، بل كان بناء دولة حرة ومستقلة.
التحولات المريرة التي شهدناها أكدت لليمنيين أن كلفة الانقسام باهظة جداً، وأن العودة إلى الحلم الوطني القائم على الشراكة، هو المخرج الوحيد الذي سينقذ الجميع بمن فيهم أولئك الذين حاولوا صناعة الفوضى ثم فشلوا.
- ثمة من يعتقد أن الأزمات التي أعقبت الوحدة أضعفت القناعة بها لدى قطاعات واسعة، خصوصاً في المحافظات الجنوبية.. كيف تنظرون إلى هذه المسألة؟
نحن نعيش مرارات أهلنا في المحافظات الجنوبية والشرقية ونتفهم بعمق آمال الناس الكبيرة بأن تكون الوحدة طوق النجاة من المعاناة التي تكبدوها في ظل نظام شمولي.
وندرك حجم المرارات الناتجة عن سوء الإدارة التي تلت حرب صيف 94، وهناك من نجح في العبث بالوعي لدى البعض واوهمهم بأن العقدة تكمن في الوحدة وأن الانفصال سيعالج كل المشكلات، لكن أثبتت الأحداث الأخيرة بأن الأمر ليس كذلك وأن المشكلة ليست في فكرة الوحدة ذاتها.
وأعتقد أن معالجة هذا المشاكل لا يكون إلا بالعدالة الناجزة، ورد المظالم، والاعتراف بأن الشراكة الوطنية قد أصيبت بخلل بنيوي يجب إصلاحه بجسارة سياسية وإرادة حقيقية.
- هناك من يحمّل القوى السياسية اليمنية مسؤولية إضعاف مشروع الوحدة.. كيف تنظرون إلى ذلك؟
لا يمكن إعفاء النخب والقوى السياسية من المسؤولية، حيث غلب التنافس الحزبي والمصالح الضيقة في مراحل كثيرة على المصلحة الوطنية العليا، الاعتراف بالخطأ هو أول خطوات التصحيح.
على القوى السياسية اليوم أن ترتقي لمستوى التحدي الوجودي الذي يواجه اليمن، وهم اليوم أمام اختيار حقيقي إما أن يتجاوزوه بنجاح مشهود أو بفشل حقيقي سيجعلهم أمام مساءلة تاريخية.
- كيف تعامل التجمع اليمني للإصلاح مع القضية الجنوبية خلال السنوات الماضية؟
منذ اللحظات الأولى والإصلاح يؤكد على أهمية البناء المؤسسي وتعزيز عوامل الثقة ومعالجة كل الأسباب التي قد تهدد تماسك اللحمة الوطنية، الإصلاح كان ولا يزال ينظر للقضية الجنوبية باعتبارها جوهر الحل للأزمة اليمنية.
فقد سعى الإصلاح منذ اللحظات الأولى التي بدأت تبرز فيها مظاهر الشقاق والخلاف بين قيادات الدولة من المحسوبين على الجنوب أو على الشمال على حد فقد سعى إلى تقريب وجهات النظر وحاول رأب الصدع وبعد نهاية حرب صيف 1994 أكد في مناسبات مختلفة على ضرورة معالجة آثار الحرب.
ففي البيان الختامي الصادر عن المؤتمر العام الأول (الدورة الأولى) سبتمبر 1994 جاء في البند رقم ستة من (قرارات وتوصيات): وبرقم 14 جاء ما يلي: (يدعو المؤتمر الحكومة لمعالجة آثار الحرب وإزالة مخلفاته وتعمير المناطق المتضررة ويدعو الجميع للإسهام في عملية البناء والنظرة إلى المستقبل بكل تفاؤل).
وجاء في الفقرة رقم (16): (يدعو المؤتمر إلى الاهتمام بمحافظات: عدن، لحج، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة وإعطائها الأولوية في المشاريع والخدمات لتحسين أوضاعها.. كما يؤكد على أهمية حسن اختيار الكوادر التي تدير مرافق الدولة في تلك المحافظات).
وقد انخرطت قيادات وأعضاء الإصلاح في المحافظات الجنوبية ضمن التحركات المطلبية السلمية التي رفضت كل أشكال الظلم والتهميش التي تعرضت لها تلك المحافظات وكوادرها، وشارك الإصلاح بفعالية في الحوار الوطني الشامل، ووقع على مخرجاته التي أنصفت الجنوب، ويؤمن الإصلاح أن حل القضية الجنوبية حلاً عادلاً وشاملاً هو المدخل الحقيقي لاستعادة استقرار اليمن وتثبيت مداميك الدولة الاتحادية.
- إلى أي مدى أسهمت أخطاء ما بعد 1990 في إنتاج حالة الاحتقان السياسي والجنوبي التي ظهرت لاحقاً؟
لم تكن الأخطاء بسيطة فتهميش الكوادر، ونهب الأراضي، وتحويل الوحدة إلى غنيمة للنافذين ومراكز القوى في النظام، خلق حالة من الغبن المشروع لدى عامة الناس، هذه الأخطاء هي التي استغلتها أطراف مغرضة لاحقاً لهدف التفكيك والتمزيق والانتقام.
ولا شك أن الوحدة قد تضررت من تلك الممارسات الخاطئة، والواجب اليوم هو الفصل بين قدسية الهدف وخطأ الوسيلة والأداء.
- في ظل الانقسامات الحالية، هل ما يزال مشروع الدولة الواحدة ممكناً، أم أن الواقع يفرض صيغاً سياسية جديدة؟
نعم، لا يزال ممكناً، بل وضرورياً، والصيغ السياسية الجديدة المطروحة اليوم المتمثلة في إقامة دولة اتحادية لا تعني بالضرورة التشظي، بل إنها تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها بعيداً عن المركزية المقيتة. وهذا هو الميزان الذي يحفظ الوحدة ويضمن الشراكة ويشعر معه الجميع بحقيقة الانتماء والشعور بالعدالة والمساواة.
- استعادة الدولة تُطرح اليوم كأولوية وطنية.. لكن ما الدولة التي يحتاجها اليمنيون فعلاً بعد كل هذه السنوات من الحرب؟
اليمنيون اليوم بحاجة إلى دولة المؤسسات؛ دولة تحميهم ولا تقمعهم، دولة توزع الثروة بالعدل ولا تحتكرها، دولة المواطنة التي لا تفرق بين يمني وآخر بناءً على سلالة أو منطقة أو مذهب. نحتاج دولة تحفظ كرامة الإنسان.
- كيف يمكن بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية وتضمن الشراكة العادلة في السلطة والثروة بعيداً عن الإقصاء والصراع؟
الطريق إلى ذلك يمر عبر تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل، وبناء جيش وطني مهني لا يدين بالولاء لأفراد أو أحزاب، واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة، وتفعيل الرقابة والمحاسبة، الشراكة ليست محاصصة بل هي مسؤولية جماعية في بناء الوطن.
- الحديث عن التوافق الوطني عاد بقوة خلال السنوات الأخيرة.. ما أهمية العودة إلى الاتفاقات والمرجعيات الوطنية في هذه المرحلة؟
المرجعيات الثلاث (المبادرة الخليجية، مخرجات الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن) هي طوق النجاة، التوافق الوطني هو الصخرة التي تتحطم عليها كل مشاريع الفوضى، والعودة إليها تعني العودة إلى العقل والمنطق السياسي.
- البعض يرى أن القوى السياسية اليمنية لم تنجح في إدارة التنوع والخلافات داخل البلد.. كيف تقيمون أداء النخب السياسية منذ الوحدة وحتى اليوم؟
صحيح أن الأداء كان دون مستوى المطلوب والتطلعات المنشودة، حيث ساد الارتباك وغابت الرؤية الاستراتيجية الطويلة المدى، لذلك نحن اليوم في أمس الحاجة إلى تجديد في الفكر السياسي النخبوي ليتواكب مع حجم التضحيات التي يقدمها الشعب اليمني.
- في الجنوب تحديداً، كيف يمكن استعادة الثقة بمشروع وطني جامع بعد سنوات من الحرب والانقسام والتجاذبات؟
استعادة الثقة تبدأ بالأفعال لا بالأقوال بتفعيل مؤسسات الدولة وتمكين الكفاءات من كل ارجاء الوطن في مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وتأمين سبل العيش، واحترام التضحيات، هي الرسائل الحقيقية التي يمكن أن تعيد ترميم الثقة بين المواطن والدولة وبذلك سيتم سحب البساط ممن يسوقون مشاريعهم التمزيقية مستغلين حالة الإحباط التي يعاني منها المواطنون اليوم ويسوقون له مشاريع الوهم والخراب.
- ما الذي يجعل الوحدة قادرة على البقاء رغم كل الأزمات التي مر بها اليمن؟
سر بقاء الوحدة نابع من كونها رغبة شعبية عميقة وجذور تاريخية وجغرافية لا يمكن اقتلاعها بسهولة. اليمنيون، رغم كل جراحهم، يدركون أن قوتهم في وحدتهم، وأن تمزقهم يعني تحول بلدهم إلى ساحات صراع لا تنتهي. وهذا ما عاشوه خلال الفترة الماضية.
- هل تعتقدون أن الحفاظ على الوحدة مرتبط بالضرورة بوجود دولة عادلة ومؤسسات قوية؟
بالتأكيد فهذا الأمر هو بمثابة ارتباط شرطي، فلا وحدة مستدامة بدون عدل، ولا استقرار بدون مؤسسات، الوحدة القسرية أو وحدة الإقصاء لا تعيش، أما الوحدة التي تحميها العدالة فهي التي تبقى وتزدهر.
- كيف تنظرون إلى العلاقة بين معركة استعادة الدولة ومعالجة القضية الجنوبية بصورة عادلة؟
هذان مساران متوازيان لا ينفصلان، استعادة الدولة من براثن الانقلاب هي الأرضية التي تسمح بمعالجة القضية الجنوبية في جو ديمقراطي وعادل، لا يمكن حل القضية الجنوبية في ظل غياب الدولة، كما لا يمكن للدولة أن تستقر دون إنصاف الجنوب.
- في ظل التحولات الإقليمية والدولية المحيطة باليمن، ما المخاطر التي تهدد الهوية الوطنية الجامعة؟
-أكبر المخاطر التي تهدد اليمن هو زرع بذور الطائفية والمناطقية والتأسيس لهما في وجدان المجتمع اليمني، وكذا التدخلات الخارجية التي تحاول تمزيق النسيج الاجتماعي، وتجريف الهوية اليمنية الجامعة.
لذلك تقع مسؤولية كبيرة على عاتق كل يمني غيور على وطنه في أن يكون حائط صد في مواجهة كل هذه الأخطار، والحفاظ على تماسك المجتمع اليمني مسؤولية كل مثقف وسياسي ومواطن.
- ما الرسالة التي يمكن توجيهها لليمنيين في ذكرى الوحدة، خصوصاً للأجيال التي لم تعش لحظة تحقيقها؟
رسالتي لكل شاب يمني: اليمن وطن عظيم يستحق منكم التمسك به، الوحدة التي نحتفل بها ليست مجرد ذكرى سياسية، بل هي قدركم ومستقبلكم، تعلموا من أخطاء الماضي، وابنوا يمناً يتسع للجميع، يمناً يسوده العلم والعدل والمساواة، ثقوا أن ليل المعاناة سيعقبه فجر الدولة المشرق، بجهودكم وإصراركم.