طرح العديد من المعلقين الغربيين، الذين لا يستطيعون مقاومة تقديم تفسيرات معقدة لمشكلة بسيطة، قائمة كاملة من النظريات حول التوترات السعودية الإماراتية الأخيرة. وبينما يبدو بعضها كقصة محبوكة، إلا أن معظمها يخطئ الهدف.
إن التوتر بين الرياض وأبو ظبي متجذر ببساطة في قضايا الأمن القومي. وتحديداً، ينبع هذا التوتر من سلوك الإمارات في اليمن والسودان، وهو ما بات المسؤولون السعوديون ينظرون إليه بشكل متزايد على أنه يزعزع الاستقرار ويهدد المملكة بشكل مباشر. قد تؤدي المناوشات الإلكترونية وحروب السرديات إلى رفع درجة التوتر، لكنها تظل مجرد أعراض؛ أما السبب الحقيقي فهو الأثر الاستراتيجي للسياسات المتبعة في منطقتي نزاع تتحمل فيهما المملكة العربية السعودية القدر الأكبر من الانكشاف والمخاطر.
ولهذا السبب، تخطئ العديد من التوصيفات لهذا الخلاف في قراءتها. فقلق الرياض لا يتعلق بموقع المكتب الإقليمي لشركة استشارية، ولا برغبة في “تحجيم” دور الإمارات في السياسة الإقليمية. بل إن القضية تكمن فيما إذا كان الشريك القريب يوسع المخاطر الأمنية على محيط السعودية، بينما لا يزال يستفيد من المظاهر الشكلية لوحدة الخليج.
لنبدأ باليمن؛ فقد دخلت السعودية والإمارات في الصراع عام 2015 لاستعادة الحكومة المعترف بها دولياً ومنع انهيار اليمن وتحوله إلى دولة ميليشيات معادية على الحدود الجنوبية للمملكة. فاليمن ليس ساحة بعيدة بالنسبة للرياض؛ إذ إن الدولة اليمنية الفاشلة تعني حدوداً مخترقة، وانتشاراً للأسلحة، وشبكات إجرامية، وفتح ثغرات دائمة للجهات المعادية في الفناء الخلفي للمملكة.
وبمرور الوقت، تآكلت وحدة التحالف حول شكل النهاية المطلوبة. فقد أعطت الرياض الأولوية لاستقرار اليمن في ظل حكومة مركزية واحدة معترف بها دولياً، وقادرة على السيطرة على الأراضي وتأمين الحدود. وفي المقابل، عززت الإمارات علاقات وثيقة مع قوى جنوبية نافذة كانت أهدافها غالباً ما ترمي إلى إضعاف سلطة تلك الحكومة وتكريس التجزئة.
بالنسبة للسعودية، هذا هو الفارق بين يمن يستطيع ضبط أراضيه وبين نسيج مهترئ من الميليشيات ذات الجهات الراعية المتنافسة والولاءات المتغيرة؛ وهو بيئة تكافئ إبقاء الدولة ضعيفة. يمكن للسعودية التعايش مع الخلافات التكتيكية والتجارية مع الإمارات، لكن ما لا يمكنها قبوله هو قيام شريك بتمكين أطراف محلية تكمن مصلحتهم في إبقاء اليمن مجزءاً وضعيفاً وخاضعاً للتفاوض الدائم.
ويمثل السودان، الذي يقع قبالة المملكة عبر البحر الأحمر، مصدر قلق موازٍ. فعدم الاستقرار هناك يمتد إلى حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي مناطق تعتبرها السعودية جزءاً من عمقها الاستراتيجي. إن السودان الممزق يهدد الأمن البحري على طول أحد أهم الممرات في العالم، ويجر الدول المجاورة إلى منطقة تتسع فيها دائرة الفوضى.
وقد أدت الأحداث الميدانية إلى تفاقم هذه المخاوف؛ إذ إن حملة قوات الدعم السريع المتمردة التي توجت بسقوط مدينة “الفاشر” اقترنت بفظائع ذكر تقرير لمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنها قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم محتملة ضد الإنسانية. وحث التقرير الدول المؤثرة على المساعدة في وقف نقل الأسلحة التي قد تمكن من ارتكاب المزيد من الانتهاكات. وتكمن القضية الجوهرية في ما إذا كان السودان سيعود كدولة قابلة للحياة أم سيُطبع حكم الميليشيات، علماً بأن حكم الميليشيات يمثل عدوى سريعة الانتشار.
وقد زعمت جماعات حقوقية وتقارير استقصائية أن دعماً خارجياً ساعد في استدامة قوات الدعم السريع، بما في ذلك مزاعم عن دعم إماراتي، وهو ما تنفيه الإمارات. كما أوردت وكالة رويترز مزاعم حول وجود معسكر تدريب سري في إثيوبيا قام بتدريب مقاتلي قوات الدعم السريع، وأن الإمارات مولت ودعمت أنشطة مرتبطة بهذا الجهد، وهي اتهامات رفضتها أبو ظبي أيضاً. ولا يحتاج صانعو السياسة في السعودية إلى اليقين بشأن كل ادعاء ليدركوا المخاطر الاستراتيجية؛ فالميليشيا التي يتم تزويدها بما يكفي للقتال إلى أجل غير مسمى ستجعل السودان مهشماً، والسودان المهشم يزعزع استقرار منطقة البحر الأحمر برمتها.
ومن منظور الرياض، لا يعد اليمن والسودان ساحتين جانبيتين، بل هما خطوط المواجهة الأمامية لنهج سعودي يفضل تقوية الدول على تمكين الميليشيات، وبناء نظام إقليمي بدلاً من سياسات الوكلاء. إن الخلاف ليس أيديولوجياً؛ فالسعودية والإمارات تظلان متوافقتين حول العديد من الأهداف العريضة، بما في ذلك مكافحة التطرف، والتحديث، والتنويع، والروابط القوية مع الشركاء الغربيين. إن الخلاف يتمحور حول الأساليب، وما إذا كانت الالتزامات في الساحات الأمنية المشتركة حقيقية أم مجرد رهينة للظروف.
هذا التمييز يغير من توقعات سير الأمور؛ فلو كان الخلاف حول الأيديولوجيا أو الاقتصاد، لكان ذلك يعني منافسة هيكلية طويلة الأمد. أما إذا كان جذره في اليمن والسودان، فهو أمر قابل للحل، شريطة أن تتعامل أبو ظبي مع الحساسيات الأمنية السعودية بالجدية التي تستحقها.
إن طريق العودة واضح؛ ففي اليمن، يتطلب الأمر توافقاً حقيقياً حول نهاية مشتركة تتمثل في تمكين الحكومة المعترف بها دولياً، ووقف الدعم أحادي الجانب للجهات المسلحة المحلية التي تقوض سلطة الدولة وتعمق الانقسام، والسعي لمسار سياسي موثوق لمعالجة مسألة الوضع المستقبلي لجنوب اليمن. وفي السودان، يتطلب الأمر التقارب خلف وقف إطلاق النار وعملية سياسية تعزز مؤسسات الحكومة المركزية بدلاً من مكافأة حكم الميليشيات، إلى جانب خطوات جادة وقابلة للتحقق لوقف تدفقات الأسلحة والخدمات اللوجستية التي تطيل أمد الحرب الأهلية.
لقد تجاوزت العلاقات السعودية الإماراتية الخلافات من قبل، ويمكنها القيام بذلك مجدداً. لكن الوضوح بشأن السبب أمر ضروري. فهذه ليست معركة حول مناطق الأعمال أو العلاقات الدبلوماسية؛ بل هي اختبار لمدى ارتكاز الشراكات الخليجية على نتائج أمنية مشتركة. فبالنسبة للمملكة العربية السعودية، لا بد أن يأتي الأمن أولاً.
**علي الشهابي كاتب ومعلق في شؤون السياسة والاقتصاد في المملكة العربية السعودية.
نشر أولاً في صحيفة “عرب نيوز”
The post القصة الحقيقية وراء الخلاف السعودي الإماراتي appeared first on يمن مونيتور.
أخبار ذات صلة.